الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
175
تفسير روح البيان
في ستة أيام كما أراد استوى على الملك وتصرف فيه كيف شاء فحرك الأفلاك وسير الكواكب وكور الليالي والأيام ودبر امر مصنوعاته على ما تقتضيه حكمته . وهذا معنى قول القاضي استوى امره اى استقر امر ربوبيته وجرى امره وتدبيره ونفذ قدرته في مصنوعاته وتخصيص العرش لأنه أعظم المخلوقات فإنه الجسم المحيط بجميع الأجسام فالاستواء عليه استواء على ما عداه أيضا من الجنة والنار والسماوات والعناصر وغيرها وفي التفسير الفارسي ثُمَّ اسْتَوى [ پس قصد كرد على العرش بآفرينش عرش ] قال الحدادي ويقال ثم هنا بمعنى الواو على طريق الجمع والعطف دون التراخي فان خلق العرش كان قبل خلق السماوات والأرض وقد ورد في الخبر ( ان أول شئ خلق اللّه القلم ثم اللوح فامر اللّه القلم ان يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ثم خلق العرش ثم خلق حملة العرش ثم خلق السماوات والأرض ) قال شيخى العلامة أبقاه اللّه بالسلامة المراد بهذا الاستواء استواؤه سبحانه لكن لا باعتبار نفسه وذاته تعالى علوا كبيرا عما يقول الظالمون بل باعتبار امره الايجادي وتجليه التجلي الاحدى المعبر عنه في القرآن بالحق واستواء الأمر الإرادي الايجادي على العرش بمنزلة استواء الأمر التكليفي الارشادى على الشرع فكما ان كل واحد من الامرين قلب الآخر وعكسه المستوي السوي فكذلك كل واحد من العرش والشرع قلب الآخر وعكسه السوي المستوي انتهى باختصار قال في التأويلات النجمية لما أتم خلق المكونات من الأنواع الستة استوى على العرش بعد الفراغ من خلقها استواء التصرف في العالم وما فيه التدبر في أموره من العرش إلى تحت الثرى وانما خص العرش بالاستواء لأنه مبدأ الأجسام اللطيفة القابلة للفيض الرحماني وهذا الاستواء صفة من صفات اللّه تعالى لا يشبه استواء المخلوقين كالعلم صفة من صفاته لا يشبه علم المخلوقين إذ ليس كمثله شئ وهو السميع العليم ولو أمعنت النظر في خصوصية خلافتك الحق تعالى لعرفت نفسك فعرفت ربك وذلك ان اللّه تعالى لما أراد خلق شخصك من النطفة المودعة في الرحم استعمل روحك بخلافته ليتصرف في النطفة أيام الحمل فيجعلها عالما صغيرا مناسبا للعالم الكبير فيكون بدنه بمثابة الأرض ورأسه بمثابة السماء وقلبه بمثابة العرش وسره بمثابة الكرسي وهذا كله بتدبير الروح وتصرفه خلافة عن ربه ثم استوى الروح بعد فراغه من الشخص الكامل على عرش القلب استواء مكانيا بل استوى ليتصرف في جميع اجزاء الشخص ويدبر أموره بإفاضة فيضه على القلب فان القلب هو القابل لفيض الحق تعالى إلى المخلوقات كلها كما أن القلب مغتنم فيض الروح إلى القالب كله فإذا تأملت في هذا المثال تأملا شافيا وجدته في نفى الشبيه عن الصفات المنزهة المقدسة كافيا وتحققت حقيقة من عرف نفسه فقد عرف ربه ان شاء اللّه تعالى ثم إنه تعالى لما ذكر استواءه على العرش واخبر بما اخبر من نفاذ امره واطراد تدبيره بين ذلك بطريق الاستئناف فقال يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ اى يجعل الليل غاشيا يغشى النهار بظلمته فيذهب بنور النهار ويغطيه بظلمة الليل ولم يذكر العكس اكتفاء بأحد الضدين وفيه إشارة إلى ليل ظلمات النفس عند استيلاء صفاتها وغلبات هواها على نهار أنوار القلب وإلى نهار القلب عند غلبات أنواره واستيلاء المحبة عليه يَطْلُبُهُ حَثِيثاً حال من الليل اى يجعل الليل غاشيا للنهار حال كون الليل طالبا له اى لمجيئه